الشيخ محمد رشيد رضا
193
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على الحصر ولما لم يظهر الحصر لبعض المفسرين جعلوا التقديم لمجرد الاهتمام الذي هو الأصل في كل ما يقدم على غيره في هذه اللغة ، وهذا عجز منهم ألجأهم اليه تفسيرهم للعهد بهذه الوصايا أو بكل ما عهد اللّه إلى الناس على أن تدخل هذه الوصايا فيه دخولا أوليا . والأول باطل والثاني قاصر ، أما بطلان الأول فلأن الوفاء بالعهد من الوصايا المقصودة المعدودة وله معنى خاص فلا يصح أن يجعل عين ما قبله - وأما قصور الثاني فظاهر مما ذكرنا من سائر أنواع العهد بالشواهد من الآن - فالعهد إذا عام لكل ما شرع اللّه للناس وكل ما التزمه الناس مما يرضيه ويوافق شرعه ، ويقابله ما لا يرضي اللّه من عهد كنذر الحرام والحلف على فعله ومعاهدة الحربيين وغيرهم على ما فيه ضرر للأمة وهضم لمصالحها أو غير ذلك من المعاصي فحصر اللّه الأمر بالوفاء في الأول الذي يرضيه ليخرج منه هذا الأخير الذي يسخطه . ونكتفي من السنة في تعظيم شأن هذه الوصية بحديث عبد اللّه ابن عمرو المرفوع في الصحيحين وغيرهما « أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها - إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » ( ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( تَذَكَّرُونَ ) مخففة من الذكر والباقون بالتشديد من التذكر وأصله تتذكرون ، وليس معناهما واحدا كما قيل فان الصيغ من المادة الواحدة تعطي معاني خاصة ويتجوز في بعضها ما لا يصح في بعض ، فالذكر يطلق في الأصل على إخطار معنى الشيء أو خطوره في الذهن ويسمى ذكر القلب ، وعلى النطق باللفظ الدال عليه ويسمى ذكر اللسان ، ويستعمل مجازا بمعنى الصيت والشرف وفسر به قوله تعالى ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) ويطلق بمعنى العلم وبه يسمى الآن وغيره من الكتب الإلهية ذكرا ، ومنه ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * وأما التذكر فمعناه تكلف ذكر الشيء في القلب أو التدرج فيه بفعله المرة بعد المرة ، ويطلق على الاتعاظ ومنه قوله تعالى ( وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) وقوله ( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ) والشواهد عليه في الذكر كثيرة ومثله الادكار ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) * وهو افتعال من الذكر والافتعال يب من التفعل . وحكمة الاءتين إفادة المعاني التي تدلان عليها من باب الايجاز البليغ « تفسير الآن الحكيم » « 25 » « الجزء الثامن »